السيد محمد حسين الطهراني

31

معرفة المعاد

المعمعة من المناظر الخدّاعة والفخاخ الكثيرة المنصوبة ، وأيّهم لا يتخطّى قوانين الفطرة والعقل والاخلاق الفاضلة والعمل الصالح والايمان بخالق هذا العالم الغريب ، ولا يتجاوز العبودية في فنائه المقدّس الخارج من الشكل واللون والرائحة ، والذي لا يبخل بالانفاق والإيثار المقرون بالإلتفات الواعي إلى الواقعية والحقيقة ، الذي لا يعقد آماله ولا يمنّي قلبه بهذا اللون وتلك الرائحة فيفسد قلبه بضياعها ويُدفن في ديار الهلاك والفناء والبوار . يقول أمير المؤمنين عليه السلام ضمن الخطبة 155 من نهج البلاغة : فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ في الظُّلُمَاتِ ، وَارْتَبَكَ في الْهَلَكَاتِ ، وَمَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ في طُغْيَانِهِ ، وَزَيَّنَتْ لَهُ سَيِّئَ أعْمَالِهِ ، فَالْجَنَّةُ غَايَةُ السَّابِقِينَ ، وَالنَّارُ غَايَةُ الْمُفَرِّطِينَ . « 1 » إعْلمُوا أنَّمَا الدنْيَا تُطْلَبُ لِثَلَاثٍ : لِلْعِزِّ وَالْغِنَي والرَّاحَةِ ويقول في موضعٍ آخر : الدُّنْيَا دَارُ غُرُورٍ وَفَنَاءٍ ، وَمُلْتَقَى سَاعَةٍ وَوَداعٍ ، وَالنَّاسُ مُتَصَرِّفُونَ فيهَا بَيْنَ وَرْدٍ وَصَدْرٍ ، وَصَائِرُونَ خَبَراً بَعْدَ أثَرٍ ، غَايَةُ كُلِّ مُتَحَرِّكٍ سُكُونٌ ، وَنِهَايَةُ كُلِّ مُتُكُوِّنٍ أنْ لَا يَكُونَ ، فَإذَا كَانَ ذَلِكَ كَذلِكَ ، فَلِمَ التَّهَالُكُ على هَالِكٍ ، وَاعْلَمُوا أنَّمَا الدُّنْيَا تُطْلَبُ لِثَلاثٍ : لِلْعِزِّ وَالْغِنَي وَالرَّاحَةِ ، فَمَنْ قَنَعَ عَزَّ ، وَمَنْ زَهِدَ اسْتَغْنَى ، وَمَنْ قَلَّ سَعْيُهُ اسْتَراحَ . فما الذي يعنيه الإمام في قوله « صائرون خبراً بعد أثر » ؟ أي لا أثر بعدُ من وجودهم ، ومن قدرتهم وعلمهم ، ومن حياتهم الدنيويّة ، ولا أثر من جميع صفاتهم ومخلّفاتهم ، فلقد صاروا خبراً مضى وانقضى . كانوا بالأمس أثراً فصاروا اليوم خبرا ، وتبدّلت هويّاتهم ، فمن كان يُذكر

--> ( 1 ) - نهج البلاغة شرح عبده ، مطبعة عيسى البابي الحلبي بمصر ، ج 1 .